
تشريف المسؤول يجمّل الواقع ويخفى الحقيقة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
هناك مشهد يتكرر كثيراً فى حياتنا الإدارية. حتى أصبح من شدة تكراره يبدو طبيعياً. مع أنه ليس طبيعياً على الإطلاق. مسؤول كبير يستعد لزيارة منطقة. أو إفتتاح مشروع. أو تفقد موقع. أو حضور فعالية تخص المواطنين. وما إن تعرف القيادات التنفيذية بموعد الزيارة وخط سير المسؤول. حتى تبدأ حالة الإستنفار.
تُنظَّف الشوارع التى سيمر بها. تُرش الأرصفة والطرق. تُزرع الأشجار والزهور فى الأماكن التى ستقع عليها عين المسؤول. تُرفع المخلفات. تُدهَن بعض الحواجز. وتتحول المنطقة خلال ساعات إلى صورة مختلفة تماماً عن واقعها المعتاد. وكأن عصا سحرية مرّت بالمكان. فأخرجته من الإهمال إلى الجمال.
لكن السؤال الأهم ليس: لماذا يستطيع الجهاز التنفيذى أن يفعل كل ذلك قبل الزيارة؟ بل: لماذا لا يستطيع أن يفعل الشيء نفسه طوال العام؟
المشكلة هنا ليست فى تنظيف الشارع. ولا فى زراعة الأشجار. ولا فى رش الطريق. كل ذلك مطلوب ومحمود. المشكلة أن يتحول الإهتمام بالمكان إلى إجراء مؤقت مرتبط بموعد مرور مسؤول. ثم ينتهى بإنتهاء الزيارة.
فبمجرد أن يغادر المسؤول. تختفى حالة الطوارئ. تعود المخلفات إلى بعض الأماكن. تتراجع أعمال النظافة. وقد تُهمل المساحات التى جرى تجميلها. ويعود الشارع تدريجياً إلى صورته السابقة. وكأن ما حدث لم يكن إلا مشهداً عابراً صُنِع خصيصاً ليوم واحد.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من الذى نُجمّل له المدينة؟ للمسؤول الذى سيمر مرة. أم للمواطن الذى يعيش فيها كل يوم؟
المسؤول الكبير. حين يرى شارعاً نظيفاً. وأرصفة مرتبة. وأشجاراً مزروعة. ومشهداً حضارياً على طول خط سيره. فمن الطبيعى أن يعتقد أن هذا هو الواقع. فهو يرى ما أُعد له أن يراه. وقد لا يعرف أن هذا المشهد لم يكن موجوداً بهذه الصورة قبل ساعات. وأنه ربما لن يبقى بهذه الصورة بعد ساعات من مغادرته.
وهنا لا تكون المشكلة فى المسؤول الكبير. وإنما فى ثقافة إدارية تجعل إرضاء العين أهم من مواجهة الحقيقة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإدارة هو أن تصل المعلومات إلى القيادة بعد أن تكون قد مرّت بمرحلة طويلة من التجميل. فالمسؤول الذى يريد أن يعرف الحقيقة يحتاج إلى أن يرى الواقع كما هو، لا كما أُعد له.
ولهذا. ربما آن الأوان لأن نعيد النظر فى مفهوم (خط السير).
لماذا يجب أن يكون خط سير المسؤول معلوماً مسبقاً؟ ولماذا لا تكون بعض الزيارات مفاجئة؟ ولماذا لا يترك المسؤول سيارته أحياناً لتسلك طريقاً لم يكن محدداً سلفاً؟ ولماذا لا يطلب زيارة منطقة أو شارع أو مرفق دون إخطار مسبق. حتى يرى الصورة التى يراها المواطن كل صباح؟
المفاجأة هنا ليست وسيلة لإحراج أحد. ولا أداة لمعاقبة مسؤول أو موظف. إنها وسيلة للوصول إلى الحقيقة.
فالمسؤول الذى يزور موقعاً دون ترتيبات مسبقة. لا يبحث عن أخطاء الأشخاص. وإنما يبحث عن حقيقة المكان. يريد أن يعرف: هل الشارع نظيف فعلاً؟ هل الأشجار موجودة وتُروى؟ هل الأرصفة بحالة جيدة؟ هل المخلفات تُرفع بانتظام؟ هل ما يراه فى يوم الزيارة هو نفسه ما يراه المواطن فى بقية أيام الأسبوع؟
هذه هى الزيارة التى يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً.
أما أن نعرف موعد الزيارة. ثم نعرف خط السير. ثم نُجمّل الطريق. ثم نُظهر أفضل ما لدينا فى ساعات معدودة. فهذه ليست إدارة للحقيقة. وإنما إدارة للمشهد.
والأخطر أن هذه الطريقة قد تجعل المسؤول يظن أن الأمور تسير على أفضل حال. بينما الواقع خارج حدود خط السير مختلف تماماً. وهنا تخسر الإدارة أهم ما تحتاج إليه: القدرة على رؤية نفسها بعيون الناس.
إن المواطن لا يعيش فى خط سير المسؤول. المواطن يعيش فى الشوارع الجانبية. وبين العمارات. وفى المناطق التى لا تمر بها السيارات الرسمية. المواطن لا ينتظر موكباً حتى يجد شارعاً نظيفاً. ولا ينتظر إفتتاح مشروع حتى يرى الأشجار مزروعة. ولا يحتاج إلى زيارة مسؤول حتى تصبح المنطقة جديرة بالحياة.
المواطن يريد أن يكون ما يراه المسؤول اليوم هو نفسه ما يراه هو غداً. وبعد غد. وكل يوم.
نحن لا نحتاج إلى مدينة تُجمَّل وقت الزيارة. وإنما إلى مدينة لا تحتاج إلى التجميل عندما يزورها المسؤول.
والحل ليس مستحيلاً. قد يبدأ بزيارات مفاجئة. وبإختيار أكثر من طريق. وبالإبتعاد أحياناً عن المسارات المعدة مسبقاً. وبالإستماع إلى المواطن فى موقعه. وبمتابعة ما يحدث بعد الزيارة لا أثناءها فقط. فالنجاح الحقيقى ليس أن يبدو المكان جميلاً فى يوم الزيارة. وإنما أن يظل جميلاً بعد أن تنتهى الزيارة وتغادر السيارات.
المسؤول الكبير لا يحتاج إلى شارع مُعدّ له. يحتاج إلى أن يرى الشارع الذى يعيش فيه المواطن.
والقيادة الناجحة ليست التى تُعجب بما أُعد لها. وإنما التى تبحث بنفسها عمّا لم يُعد لها.
فإذا أردنا إصلاحاً حقيقياً. فلنجعل المفاجأة أحياناً طريقاً إلى الحقيقة. ولنجعل المسؤول يرى المدينة كما هى. لا كما نريد لها أن تبدو أمامه.
فالمسؤول الذى يرى الحقيقة يستطيع أن يعالجها. أما المسؤول الذى يرى الصورة المصنوعة. فقد يظل يظن أن كل شىء على ما يرام. بينما الحقيقة تسير فى شارع آخر.





